صادف يوم الأربعاء ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي غيرت مسار التاريخ العالمي والأسلامي على وجه الخصوص، وورطت الولايات المتحدة الأمريكية في حروب إستنزافية أدت إلى أفلاسها مالياً وأخلاقياً .
ضربات موجعة تلك التي وجهها الشيخ أسامة بن لادن وأتباعه إلى قلب أمريكا الأقتصادي، وعاصمتها المالية نيويورك، والتي عادت فيما بعد على أمريكا بخسارة آلاف المليارات من الدولارات كلفة للحرب الطويلة التي خاضتها في أفغانستان والعراق دون جدوى من تحقيق أهدافها المرسومة .
إن الشعبية الكبيرة التي حصل عليها تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، من خلال هذه العلميات المتركزة على ضرب المصالح الأمريكية وخاصة في 11 سبتمبر، قد كشف للجميع ضآلة حجم هذه القوة المتغطرسة وأمكانية تغيير موازين القوى، لكن وللأسف الشديد تضاءلت تلك الشعبية إن لم تكن قد تلاشت عند العامة بعد وصول بعض العناصر المحسوبين على التنظيم أمثال الشيخ أبو مصعب الزرقاوي ومن تبعه على نهجه، والذين يمثلون الجيل الثاني من عناصر تنظيم القاعدة .
لقد أصبح البدن العربي خلال السنوات الأخيرة هو الهدف الذي تعسى إليه عمليات الجيل الثاني لتنظيم القاعدة، مما أدى إلى ضياع المكتسبات المعنوية والمادية المرجوة من شعوب المنطقة، وأخرها ما جرى في رفح شمال سيناء، فتلك الأحداث ما هي إلا شيء يسير لما يحصل في بلدان عربية اخرى.
التساؤل يثار هنا هل أن رفح ولاية أمريكية ؟ لكي يتم أحراقها تزامناً مع أحداث الحادي العشر من سبتمبر، أو إن خطف الناس وقتلهم من أبناء العروبة والإسلام سيترك أثره في أمريكا وأسرائيل. ستراتيجية خاطئة تلك التي أنتهجها الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، وأجتهاد منه لا يحسد عليه قد فتح الباب لأفكار دخيلة أجتاحت القاعدة وأبناءها فيما بعد.
كلام قد لايعجب البعض لكنها الحقيقة، فلم يكن الشيخ أسامة بن لادن تكفيرياً، فلماذا يسعى رفقاء درب الزرقاوي من أمثال أبو بكر البغدادي لمحاربة كل من لا ينضوي تحت لواءهم؟ ولماذا أنتهاج منهجية التكفير لمجرد المخالفة؟ فألف صديق كما يقال خير من عدو واحد، إنها ليست سوى إجتهادات قد تخطأ أو تصيب عنونها الزرقاوي وسار عليها دون روية أتباع الدولة الإسلامية في العراق والشام.
لقد أصبحت الحاضنة العراقية نتيجة تلك الأفعال تتضاءل بل تحولت إلى مواجهة بين أبناء البلد الواحد، حيث تشكلت فرق الصحوات في عموم المحافظات السنية، مما أدى لتحول أصدقاء الامس إلى أعداء اليوم، وهذا بعينه ما سيحصل في سيناء ومصر في المستقبل القريب .
إن بصمات دولة العراق والشام الإسلامية في سيناء لا زالت خافية عن الكثيرين، وتنتظر الوقت الملائم لأعلان تمددها إلى شبه الجزيرة المصرية وسأترك ذلك للأيام القادمة، والتي ستكشف الغموض الذي يجري هناك، فمشروع أنشاء تنظيم جبهة النصرة في سوريا والظروف التي أكتنفت تشكيلها، بالأضافة لمجهولية الصف الأول من قادتها، وعدم ظهورها في الأعلام، جعلت علامات الأستفهام تدور حول تابعيتها، ومصادر تمويلها وعلاقاتها بجماعات جهادية أخرى، أما بعد تبنيها لعمليات نوعية في داخل المناطق المحصنة أمنياً أثيرت الشكوك حول أقتران إسمها بالنظام السوري .
إن الأسلوب الهجومي الذي أتخذته جبهة النصرة في سوريا وأستهدافها لأبرز شخصيات النظام، وخاصة ما حدث من تفجير لمبنى الأركان الذي أدى إلى مقتل صهر الرئيس السوري آصف شوكت، ووزير الدفاع ونائبه، بالأضافة إلى العملية الأنتحارية النوعية التي جرت أحداثها في أروقة وزارة الداخلية، التي تعتبر من أكثر المناطق الأمنية تحصيناً كانت بمثابة صفعة لم يستفق منها النظام .
هذا الأسلوب الذي شهدناه لا يختلف تماماً عما يجري في مصر وسيناء، أو يختلف عن عمليات تحرير السجناء في العراق، وأقتحام الوزارات الأمنية كوزارة العدل وغيرها في بغداد، فالستراتيجية المتبعة في تلك العمليات واحدة والعقل المدبر هو نفسه .
لم يدم طويلاً ذلك الغموض الذي أحاط بتنظيم جبهة النصرة، فالبغدادي أعلن للملأ عن تابعية هذه الجبهة، ومصادر تمويلها ومقاتليها لدولة العراق الإسلامية، وضمهما معاً في تشكيل أسماه الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو ما يطلق عليه أختصاراً هذه الأيام ( داعش ) .
كذلك الأنتظار لن يدوم طويلاً لسماع خبر شمول شبه الجزيرة المصرية لمنطقة عمليات داعش في بيان لقادة التنظيم، يعلنون من خلاله للجميع عن حقيقة الغموض والألتباس الذي تعيشه أحداث شمال سيناء.
الظواهري سبق الأخرين في رسالته الموجهة إلى أتباعه معلناً برائته مما يجري في سيناء من إستهداف للجيش المصري، فالتعليمات التي وردت في هذه الرسالة تتمحور حول مطالبة أتباع تنظيم القاعدة العالمي بضرورة توجيه السلاح لرأس الكفر أمريكا وحليفتها أسرائيل بدلاً عن صدور المسلمين .
حكمة هذا الرجل المحنك في أختيار الوقت والظرف المناسبين لأرسال تلك الرسائل تنم عن دراية كبيرة، ومعرفة بظروف الشارع الإسلامي رغم أبتعاده في الجبال منعزلاً، إلا أنه يعلم بمدى أنزعاج وتذمر العامة من أفعال البغدادي ودولته، فرسالته محاولة جيدة منه لكسب جزء من الشعبية الضائعة للتنظيم.
الظواهري حث أتباعه على ضروة عدم الأشتباك مع الأنظمة إلا في الحالات القصوى، وأكد قائلاً إنه " لو أتيحت لنا الفرصة لتهدئة الصراع مع الحكام المحليين لأستغلال ذلك للدعوة والبيان والتحريض والتجنيد وجمع الأموال والأنصار، فيجب أن نستثمرها لأقصى درجة، فإن معركتنا طويلة، والجهاد بحاجة لقواعد أمنة، وأمداد متصل من الرجال والأموال والكفاءات "، وأضاف قائلاً بضروة أتباع الحكمة في التعامل مع الفرق الإسلامية الأخرى وأستمرار الدعوة والتوعية وكشف الشبهات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما لا يسبب ضرراً أكبر كأن يؤدي الى طرد المجاهدين من تلك المناطق، او ثورة الجماهير ضدهم، أو لأثارة الفتنة التي سيستغلها الأعداء في أحتلال تلك المناطق .
إن من الأمور اللافتة في رسالة الظواهري لأتباعه هي ما ذكر عن تجنب " إيذاء المسلمين بتفجيرٍ أو قتلٍ أو خطفٍ أو أتلاف مال أو ممتلكات، والأمتناع عن إستهداف الأعداء في المساجد والأسواق والتجمعات، التي يختلطون فيها بالمسلمين أو بمن لا يقاتلنا " .
رسالة الظواهري جاءت فصلاً للخطاب في معرفة طبيعة عمل تنظيم القاعدة ببلدان المنطقة، فكل ما يحدث بخلاف تلك التوصيات ينسب إلى البغدادي وجماعته، فعمليات التفخيخ والتفجير والخطف والقتل وأستهداف الأماكن العامة هو بعيد كل البعد عما كنا نراه من أستهداف المستوطنات الاسرائيلية المتاخمة لحدود سيناء، أو تكرار ضرب أنبوب نقل الغاز المصري لأسرائيل، هذا التحول الخطير في أسلوب العمليات يجعل التساؤلات والشكوك تثار حول هوية وطبيعة أفكار مرتكبيها من المسلحين الجدد .