الأحد، 22 سبتمبر 2013

داعش في سيناء (الموضوع الثالث)


صادف يوم الأربعاء ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي غيرت مسار التاريخ العالمي والأسلامي على وجه الخصوص، وورطت الولايات المتحدة الأمريكية في حروب إستنزافية أدت إلى أفلاسها مالياً وأخلاقياً .

ضربات موجعة تلك التي وجهها الشيخ أسامة بن لادن وأتباعه إلى قلب أمريكا الأقتصادي، وعاصمتها المالية نيويورك، والتي عادت فيما بعد على أمريكا بخسارة آلاف المليارات من الدولارات كلفة للحرب الطويلة التي خاضتها في أفغانستان والعراق دون جدوى من تحقيق أهدافها المرسومة .

إن الشعبية الكبيرة التي حصل عليها تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، من خلال هذه العلميات المتركزة على ضرب المصالح الأمريكية وخاصة في 11 سبتمبر، قد كشف للجميع ضآلة حجم هذه القوة المتغطرسة وأمكانية تغيير موازين القوى، لكن وللأسف الشديد تضاءلت تلك الشعبية إن لم تكن قد تلاشت عند العامة بعد وصول بعض العناصر المحسوبين على التنظيم أمثال الشيخ أبو مصعب الزرقاوي ومن تبعه على نهجه، والذين يمثلون الجيل الثاني من عناصر تنظيم القاعدة .

لقد أصبح البدن العربي خلال السنوات الأخيرة هو الهدف الذي تعسى إليه عمليات الجيل الثاني لتنظيم القاعدة، مما أدى إلى ضياع المكتسبات المعنوية والمادية المرجوة من شعوب المنطقة، وأخرها ما جرى في رفح شمال سيناء، فتلك الأحداث ما هي إلا شيء يسير لما يحصل في بلدان عربية اخرى.

 التساؤل يثار هنا هل أن رفح ولاية أمريكية ؟ لكي يتم أحراقها تزامناً مع أحداث الحادي العشر من سبتمبر، أو إن خطف الناس وقتلهم من أبناء العروبة والإسلام سيترك أثره في أمريكا وأسرائيل. ستراتيجية خاطئة تلك التي أنتهجها الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، وأجتهاد منه لا يحسد عليه قد فتح الباب لأفكار دخيلة أجتاحت القاعدة وأبناءها فيما بعد.

كلام قد لايعجب البعض لكنها الحقيقة، فلم يكن الشيخ أسامة بن لادن تكفيرياً، فلماذا يسعى رفقاء درب الزرقاوي من أمثال أبو بكر البغدادي لمحاربة كل من لا ينضوي تحت لواءهم؟ ولماذا أنتهاج منهجية التكفير لمجرد المخالفة؟ فألف صديق كما يقال خير من عدو واحد، إنها ليست سوى إجتهادات قد تخطأ أو تصيب عنونها الزرقاوي وسار عليها دون روية أتباع الدولة الإسلامية في العراق والشام.

لقد أصبحت الحاضنة العراقية نتيجة تلك الأفعال تتضاءل بل تحولت إلى مواجهة بين أبناء البلد الواحد، حيث تشكلت فرق الصحوات في عموم المحافظات السنية، مما أدى لتحول أصدقاء الامس إلى أعداء اليوم، وهذا بعينه ما سيحصل في سيناء ومصر في المستقبل القريب .

إن بصمات دولة العراق والشام الإسلامية في سيناء لا زالت خافية عن الكثيرين، وتنتظر الوقت الملائم لأعلان تمددها إلى شبه الجزيرة المصرية وسأترك ذلك للأيام القادمة، والتي ستكشف الغموض الذي يجري هناك، فمشروع أنشاء تنظيم جبهة النصرة في سوريا والظروف التي أكتنفت تشكيلها، بالأضافة لمجهولية الصف الأول من قادتها، وعدم ظهورها في الأعلام، جعلت علامات الأستفهام تدور حول تابعيتها، ومصادر تمويلها وعلاقاتها بجماعات جهادية أخرى، أما بعد تبنيها لعمليات نوعية في داخل المناطق المحصنة أمنياً أثيرت الشكوك حول أقتران إسمها بالنظام السوري .

إن الأسلوب الهجومي الذي أتخذته جبهة النصرة في سوريا وأستهدافها لأبرز شخصيات النظام، وخاصة ما حدث من تفجير لمبنى الأركان الذي أدى إلى مقتل صهر الرئيس السوري آصف شوكت، ووزير الدفاع ونائبه، بالأضافة إلى العملية الأنتحارية النوعية التي جرت أحداثها في أروقة وزارة الداخلية، التي تعتبر من أكثر المناطق الأمنية تحصيناً كانت بمثابة صفعة لم يستفق منها النظام .
هذا الأسلوب الذي شهدناه لا يختلف تماماً عما يجري في مصر وسيناء، أو يختلف عن عمليات تحرير السجناء في العراق، وأقتحام الوزارات الأمنية كوزارة العدل وغيرها في بغداد، فالستراتيجية المتبعة في تلك العمليات واحدة والعقل المدبر هو نفسه .

لم يدم طويلاً ذلك الغموض الذي أحاط بتنظيم جبهة النصرة، فالبغدادي أعلن للملأ عن تابعية هذه الجبهة، ومصادر تمويلها ومقاتليها لدولة العراق الإسلامية، وضمهما معاً في تشكيل أسماه الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو ما يطلق عليه أختصاراً هذه الأيام ( داعش ) .
كذلك الأنتظار لن يدوم طويلاً لسماع خبر شمول شبه الجزيرة المصرية لمنطقة عمليات داعش في بيان لقادة التنظيم، يعلنون من خلاله للجميع عن حقيقة الغموض والألتباس الذي تعيشه أحداث شمال سيناء.

الظواهري سبق الأخرين في رسالته الموجهة إلى أتباعه معلناً برائته مما يجري في سيناء من إستهداف للجيش المصري، فالتعليمات التي وردت في هذه الرسالة تتمحور حول مطالبة أتباع تنظيم القاعدة العالمي بضرورة توجيه السلاح لرأس الكفر أمريكا وحليفتها أسرائيل بدلاً عن صدور المسلمين .

حكمة هذا الرجل المحنك في أختيار الوقت والظرف المناسبين لأرسال تلك الرسائل تنم عن دراية كبيرة، ومعرفة بظروف الشارع الإسلامي رغم أبتعاده في الجبال منعزلاً، إلا أنه يعلم بمدى أنزعاج وتذمر العامة من أفعال البغدادي ودولته، فرسالته محاولة جيدة منه لكسب جزء من الشعبية الضائعة للتنظيم.

الظواهري حث أتباعه على ضروة عدم الأشتباك مع الأنظمة إلا في الحالات القصوى، وأكد قائلاً إنه " لو أتيحت لنا الفرصة لتهدئة الصراع مع الحكام المحليين لأستغلال ذلك للدعوة والبيان والتحريض والتجنيد وجمع الأموال والأنصار، فيجب أن نستثمرها لأقصى درجة، فإن معركتنا طويلة، والجهاد بحاجة لقواعد أمنة، وأمداد متصل من الرجال والأموال والكفاءات "، وأضاف قائلاً بضروة أتباع الحكمة في التعامل مع الفرق الإسلامية الأخرى وأستمرار الدعوة والتوعية وكشف الشبهات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما لا يسبب ضرراً أكبر كأن يؤدي الى طرد المجاهدين من تلك المناطق، او ثورة الجماهير ضدهم، أو لأثارة الفتنة التي سيستغلها الأعداء في أحتلال تلك المناطق .

إن من الأمور اللافتة في رسالة الظواهري لأتباعه هي ما ذكر عن تجنب " إيذاء المسلمين بتفجيرٍ أو قتلٍ أو خطفٍ أو أتلاف مال أو ممتلكات، والأمتناع عن إستهداف الأعداء في المساجد والأسواق والتجمعات، التي يختلطون فيها بالمسلمين أو بمن لا يقاتلنا " .


رسالة الظواهري جاءت فصلاً للخطاب في معرفة طبيعة عمل تنظيم القاعدة ببلدان المنطقة، فكل ما يحدث بخلاف تلك التوصيات ينسب إلى البغدادي وجماعته، فعمليات التفخيخ والتفجير والخطف والقتل وأستهداف الأماكن العامة هو بعيد كل البعد عما كنا نراه من أستهداف المستوطنات الاسرائيلية المتاخمة  لحدود سيناء، أو تكرار ضرب أنبوب نقل الغاز المصري لأسرائيل، هذا التحول الخطير في أسلوب العمليات يجعل التساؤلات والشكوك تثار حول هوية وطبيعة أفكار مرتكبيها من المسلحين الجدد . 

الثلاثاء، 10 سبتمبر 2013

سر العلاقة بين سايكس بيكو و دولة البغدادي (الموضوع الثاني)


قبل البدء بمثل هكذا موضوع وجب الإتيان بمقدمة مهمة، فالفارق الزمني بين نشوء دولة العراق والشام الإسلامية، وبين إتفاقية سايكس بيكو كبير جداً، فلا بد من تسليط الضوء على عامل رئيسي كان سبباً في إقتران هذين الحدثين المختلفين، وهو شخصية الإنسان العربي في هذه المرحلة، بكل ما تحمله من تناقضات، مقارنةً بأي شخصية إنسانية أخرى.

إن الفرد العربي هذه الأيام لا يمكن لنا أن نتصور، ونرسم في خيالنا ملامحه العامة، أو نعرف الهدف الذي يسعى لتحقيقه، كونه يفتقر لوجود أمر محدد في داخله يتحكم بسلوكه، ولكي لا نضطر للخوض في ملل التحليل النفسي، سأذكر لكم مثالاً حياً على كلامي، فالشعب المصري وكلكم شاهدتموه قبل عام أو أكثر حالما سقط نظام الرئيس مبارك، خرج في تظاهرات شعبية كبيرة رافضاً حكم العسكر معتبراً ذلك إلتفافاً على الثورة، وطالب بأجراء إنتخابات رئاسية سريعة للتحول الى نظام الحكم المدني بعد عقود من حكم ضباط الجيش.

ساحات التظاهر تضج من جديد بعد عام على حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، لكنها هذه المرة من أكبر الأحتجاجات الشعبية التي شهدها الوطن العربي على الأطلاق، فالشباب المصري الذي حمل مرسي وأوصله إلى كرسي الرئاسة، عاد لكي يزيحه مطالباً بعودة الأمور إلى وضعها السابق لكي يتسلم الجيش زمام أمور مصر من جديد .

إن التناقضات الحاصلة اليوم على الساحة المصرية أعادت قراءة الأمور من جديد من قبل المتابعين والمحللين، فأيام التغيير التي حملتها ثورة 25 يناير رسمت لهم صورة واضحة عن مدى الوعي الثقافي، والسياسي لشريحة الشباب المصري، والتي سرعان ما تبددت، فما العبرة من كل تلك الدماء التي سالت من أجل الأسراع بنقل السلطة، ومن ثم أعادتها الى ما كانت عليه.

أما المخجل في الأمر خروج الرئيس المخلوع مبارك من الأعتقال في تلك الأثناء، دون أن نرى أو حتى نسمع بتحرك واضح، وتظاهرات جدية على مستوى مقنع ومشابه لما كانت عليه أيام ثورة 25 يناير، حيث رأينا المشانق قد نصبت في كل زقاق بأنتظار سقوط مبارك.

التونسيون لم يختلفوا في تناقضاتهم عن أقرانهم المصريين، فما أنفك الشعب أنتخاب حزب النهضة الأسلامي بتلك الأغلبية الواضحة قياساً بباقي الأحزاب، حتى أخذت الأيام اللاحقة تحمل الكثير من التغيرات في الذوق التونسي، و رؤيته للأحداث بعين مختلفة، ولا أعلم أين كان الشباب التونسي حينما رسم خارطته السياسية الجديدة التي لا تنسجم وطبيعة مجتمعه المنفتحة والتي تتقاطع مع الراديكالية.

تظاهرات تونسية وعشرات الألوف من الشباب بموجة عارمة غطت الشوارع، وأدت لأحراق أغلب مقرات الحزب الحاكم، مما جعل الحكومة التونسية أمام تحير واضح متهمة أياهم بأنهم من أتباع الرئيس المخلوع، وهذا منطقي لأن الشباب التونسي الذي أوصلهم للمناصب عاد متظاهراً رافضاً لهم في تناقض صريح لم يمضي عليه الكثير من الوقت.

التخبط والشرود الذهني لم يكن بعيداً عن الخليجيين بل لم يفارقهم، حيث تكاملت لديهم عناصر الضياع وفقدان المعرفة وعاشوا التناقض بأم عينه، فهم في الجهل ويجهلون إنهم فيه .
التقييم لتلك الفئة من العرب لم يكن على أساس الوعي الثقافي والسياسي والأجتماعي الضعيف أصلاً. بل الأعتبار أخر غير ما ذكرت، فردة الفعل المتمثلة بالسكوت الشعبي الخليجي الملحوظ أمام الزلزال العربي في المنطقة من حولهم، والذي وصل قياسه الى 10 درجات بمقياس رختر هو من لفت نظري إلى طبيعة سلوك و شخصية الخليجيين .

حكوماتهم العائلية والقبلية هي من أكثر الحكومات دكتاتورية وعمالة في المنطقة، ومن أقدمها زماناً علاوة على ذلك يعدها الخليجيون نعمة من النعم، وأستفهامي هنا عن المقياس الذي يسير عليه هؤلاء في تقييم الأمور وأستحصال مثل تلك النتائج.
إن رغد العيش الذي تتمتع به الشعوب الخليجية لم يتحصل من عدل تلك الحكومات التي لا يجيد عناصرها قراءة بعض الأسطر، بل أن الناظر بعين الأنصاف والحكمة يتوصل إلى إن تراكم الثروات والأموال هي السبب في ذلك، فما معنى إن بلداً صغيراً كقطر لا يتجاوز عدد سكانه مع العمالة الأجنبية الوافدة أكثر من 1,963,124 شخص، بينما تطفو على جبل من ذهب من الغاز الطبيعي، وبلدان مثل مصر والسودان تجاوز عدد سكانها الـ 120 مليون مجتمعةً ولا تمتلك شيئاً من تلك الثروات الهائلة .

فالكل يعلم أنه لا زالت صالات القمار والملاهي والحانات الغربية تعج بأمراء الخليج الذين أغرقوها بدولاراتهم، حيث وصلت بهم الحال الى رميها تحت أقدام الراقصات او عمل قلائد لهن، في حين يعيش المساكين في الصومال وأرتيريا على ورق الأشجار التي تركت أثرها صفرةً في وجوههم .
إن كثرة أغراق السوق بالنفط العربي جعلت الاموال تتكدس بشكل لا يصدق، مما دفعهم إلى ضخها في الشارع الخليجي، والذي أصبح حاله كحال حكومته لا يعلم أين ينفقها، فرحلات الصيف إلى بلاد أوربا والمغرب العربي من أشهر مسافريها هم أبناء الخليج، كما وأصبحت مآدب الطعام الضخمة عنوان مجتمعي بارز في حياتهم الباذخة .

حياة الترف واللامبالاة تلك التي جعلتهم أبعد ما يكون عن قضايا الوطن العربي المصيرية، وعن واقع أبناء شعبه الجياع المظلومين، حيث قادتهم تلك الخصال أخيراً إلى أزالة تلك النعم، ولكن ليس عن طريق التظاهر على الحكومات هذه المرة، بل من باب أخر دفعني لكتابة موضوعي، فدعمهم اللامحدود بالمال والسلاح للجماعات التابعة للقاعدة كالدولة الأسلامية في العراق والشام، والتي لا تعترف بالحدود الأدارية بين البلدان، التي وضعتها أتفاقية سايكس بيكو و قسمت البلاد العربية بين فرنسا وبريطانيا، تلك التصرفات لأبناء الخليج ستقودهم إلى زوال سبب نعمهم، وهي أتفاقية سايكس بيكو والحدود التي جعلت بلدان الخليج تتحكم بتلك الثروات وتحرم غيرها من الشعوب العربية.

البغدادي إشتهر عن غيره من أمراء التنظيم بأنه أول من تجاهل هذه الأتفاقية الأستعمارية وأسس دولته في العراق والشام، بعد أن كانت منحسرة على العراق، تلك الدولة التي تفضل مسلحيها على غيرهم في العطايا والغنائم، فالقاعدين ليس لهم نصيب، دولة البغدادي لا بقاء فيها إلا للأقوياء من محترفي القتل ومعارك الشوارع .

قبل أيام شاهدت خبراً في أحدى الفضائيات أردت أن أذكره هنا للفائدة، و هو عن قصة شاب سعودي لم يخرج من منزله منذ فترة طويلة، بسبب السمنة المفرطة لديه، حيث بلغ وزنه حداً كارثياً أنه وصل إلى 610 كيلو غرام و تطلب أخراجه معونة السلطات، وهنا أتسائل هل عندما تتوسع دولة البغدادي مستبيحة لبلدان الخليج، إين يمكن ان نضع هذا الشاب السعودي، وأي كتيبة ستستقبله ؟!! وهل سيستمر الخليجيون في مراودة جلسات السمر الخاصة بهم في بوادي الجزيرة أيام الصيد، أو من للطائرات المغادرة إلى بلدان أوربا والمغرب بعد بيعتهم لدولة البغدادي.

البغدادي لم ينسى شيئاً فقد وضع حلاً لمشكلة الشاب السعودي من وزن الفيل، فقد فرض على العرب من أبناء قرية تل أبيض في سوريا تقديم مبلغ 500 ألف ليرة سورية بدلاً من أرسال أحد أبناءها للمشاركة في المعارك الدائرة مع الأكراد، وإذا لم يتحقق هذان الشرطان فعلى العائلة مغادرة المدينة، وترك كل شيء خلفها، ولكم أن تتصوروا الحال في بلدانكم يا أبناء الخليج تحت بيعة دولة البغدادي.
بتلك التناقضات التي طرحت والكلمات التي سقت لبيان الحقيقة أجتمع العرب من اقصى الشرق إلى أقصى الغرب، حيث أقتربت الساعات الأخيرة من نهاية الحضارة العربية التي أنتهت معنوياً قبل سنين طويلة ولكن بنهاية مأساوية بالدولة البغدادية.