قبل البدء بمثل هكذا موضوع وجب الإتيان
بمقدمة مهمة، فالفارق الزمني بين نشوء دولة العراق والشام الإسلامية، وبين إتفاقية
سايكس بيكو كبير جداً، فلا بد من تسليط الضوء على عامل رئيسي كان سبباً في إقتران
هذين الحدثين المختلفين، وهو شخصية الإنسان العربي في هذه المرحلة، بكل ما تحمله
من تناقضات، مقارنةً بأي شخصية إنسانية أخرى.
إن الفرد العربي هذه الأيام لا يمكن لنا أن
نتصور، ونرسم في خيالنا ملامحه العامة، أو نعرف الهدف الذي يسعى لتحقيقه، كونه
يفتقر لوجود أمر محدد في داخله يتحكم بسلوكه، ولكي لا نضطر للخوض في ملل التحليل
النفسي، سأذكر لكم مثالاً حياً على كلامي، فالشعب المصري وكلكم شاهدتموه قبل عام
أو أكثر حالما سقط نظام الرئيس مبارك، خرج في تظاهرات شعبية كبيرة رافضاً حكم
العسكر معتبراً ذلك إلتفافاً على الثورة، وطالب بأجراء إنتخابات رئاسية سريعة
للتحول الى نظام الحكم المدني بعد عقود من حكم ضباط الجيش.
ساحات التظاهر تضج من جديد بعد عام على حكم
الرئيس المنتخب محمد مرسي، لكنها هذه المرة من أكبر الأحتجاجات الشعبية التي شهدها
الوطن العربي على الأطلاق، فالشباب المصري الذي حمل مرسي وأوصله إلى كرسي الرئاسة،
عاد لكي يزيحه مطالباً بعودة الأمور إلى وضعها السابق لكي يتسلم الجيش زمام أمور
مصر من جديد .
إن التناقضات الحاصلة اليوم على الساحة
المصرية أعادت قراءة الأمور من جديد من قبل المتابعين والمحللين، فأيام التغيير
التي حملتها ثورة 25 يناير رسمت لهم صورة واضحة عن مدى الوعي الثقافي، والسياسي
لشريحة الشباب المصري، والتي سرعان ما تبددت، فما العبرة من كل تلك الدماء التي سالت
من أجل الأسراع بنقل السلطة، ومن ثم أعادتها الى ما كانت عليه.
أما المخجل في الأمر خروج الرئيس المخلوع
مبارك من الأعتقال في تلك الأثناء، دون أن نرى أو حتى نسمع بتحرك واضح، وتظاهرات
جدية على مستوى مقنع ومشابه لما كانت عليه أيام ثورة 25 يناير، حيث رأينا المشانق
قد نصبت في كل زقاق بأنتظار سقوط مبارك.
التونسيون لم يختلفوا في تناقضاتهم عن
أقرانهم المصريين، فما أنفك الشعب أنتخاب حزب النهضة الأسلامي بتلك الأغلبية
الواضحة قياساً بباقي الأحزاب، حتى أخذت الأيام اللاحقة تحمل الكثير من التغيرات
في الذوق التونسي، و رؤيته للأحداث بعين مختلفة، ولا أعلم أين كان الشباب التونسي
حينما رسم خارطته السياسية الجديدة التي لا تنسجم وطبيعة مجتمعه المنفتحة والتي
تتقاطع مع الراديكالية.
تظاهرات تونسية وعشرات الألوف من الشباب
بموجة عارمة غطت الشوارع، وأدت لأحراق أغلب مقرات الحزب الحاكم، مما جعل الحكومة
التونسية أمام تحير واضح متهمة أياهم بأنهم من أتباع الرئيس المخلوع، وهذا منطقي
لأن الشباب التونسي الذي أوصلهم للمناصب عاد متظاهراً رافضاً لهم في تناقض صريح لم
يمضي عليه الكثير من الوقت.
التخبط والشرود الذهني لم يكن بعيداً عن
الخليجيين بل لم يفارقهم، حيث تكاملت لديهم عناصر الضياع وفقدان المعرفة وعاشوا
التناقض بأم عينه، فهم في الجهل ويجهلون إنهم فيه .
التقييم لتلك الفئة من العرب لم يكن على أساس
الوعي الثقافي والسياسي والأجتماعي الضعيف أصلاً. بل الأعتبار أخر غير ما ذكرت،
فردة الفعل المتمثلة بالسكوت الشعبي الخليجي الملحوظ أمام الزلزال العربي في
المنطقة من حولهم، والذي وصل قياسه الى 10 درجات بمقياس رختر هو من لفت نظري إلى
طبيعة سلوك و شخصية الخليجيين .
حكوماتهم العائلية والقبلية هي من أكثر
الحكومات دكتاتورية وعمالة في المنطقة، ومن أقدمها زماناً علاوة على ذلك يعدها
الخليجيون نعمة من النعم، وأستفهامي هنا عن المقياس الذي يسير عليه هؤلاء في تقييم
الأمور وأستحصال مثل تلك النتائج.
إن رغد العيش الذي تتمتع به الشعوب الخليجية
لم يتحصل من عدل تلك الحكومات التي لا يجيد عناصرها قراءة بعض الأسطر، بل أن
الناظر بعين الأنصاف والحكمة يتوصل إلى إن تراكم الثروات والأموال هي السبب في
ذلك، فما معنى إن بلداً صغيراً كقطر لا يتجاوز عدد سكانه مع العمالة الأجنبية
الوافدة أكثر من 1,963,124 شخص، بينما تطفو على جبل من ذهب من الغاز الطبيعي، وبلدان
مثل مصر والسودان تجاوز عدد سكانها الـ 120 مليون مجتمعةً ولا تمتلك شيئاً من تلك
الثروات الهائلة .
فالكل يعلم أنه لا زالت صالات القمار
والملاهي والحانات الغربية تعج بأمراء الخليج الذين أغرقوها بدولاراتهم، حيث وصلت
بهم الحال الى رميها تحت أقدام الراقصات او عمل قلائد لهن، في حين يعيش المساكين
في الصومال وأرتيريا على ورق الأشجار التي تركت أثرها صفرةً في وجوههم .
إن كثرة أغراق السوق بالنفط العربي جعلت
الاموال تتكدس بشكل لا يصدق، مما دفعهم إلى ضخها في الشارع الخليجي، والذي أصبح
حاله كحال حكومته لا يعلم أين ينفقها، فرحلات الصيف إلى بلاد أوربا والمغرب العربي
من أشهر مسافريها هم أبناء الخليج، كما وأصبحت مآدب الطعام الضخمة عنوان مجتمعي
بارز في حياتهم الباذخة .
حياة الترف واللامبالاة تلك التي جعلتهم أبعد
ما يكون عن قضايا الوطن العربي المصيرية، وعن واقع أبناء شعبه الجياع المظلومين، حيث
قادتهم تلك الخصال أخيراً إلى أزالة تلك النعم، ولكن ليس عن طريق التظاهر على
الحكومات هذه المرة، بل من باب أخر دفعني لكتابة موضوعي، فدعمهم اللامحدود بالمال
والسلاح للجماعات التابعة للقاعدة كالدولة الأسلامية في العراق والشام، والتي لا
تعترف بالحدود الأدارية بين البلدان، التي وضعتها أتفاقية سايكس بيكو و قسمت البلاد
العربية بين فرنسا وبريطانيا، تلك التصرفات لأبناء الخليج ستقودهم إلى زوال سبب
نعمهم، وهي أتفاقية سايكس بيكو والحدود التي جعلت بلدان الخليج تتحكم بتلك الثروات
وتحرم غيرها من الشعوب العربية.
البغدادي إشتهر عن غيره من أمراء التنظيم
بأنه أول من تجاهل هذه الأتفاقية الأستعمارية وأسس دولته في العراق والشام، بعد أن
كانت منحسرة على العراق، تلك الدولة التي تفضل مسلحيها على غيرهم في العطايا
والغنائم، فالقاعدين ليس لهم نصيب، دولة البغدادي لا بقاء فيها إلا للأقوياء من محترفي
القتل ومعارك الشوارع .
قبل أيام شاهدت خبراً في أحدى الفضائيات أردت
أن أذكره هنا للفائدة، و هو عن قصة شاب سعودي لم يخرج من منزله منذ فترة طويلة،
بسبب السمنة المفرطة لديه، حيث بلغ وزنه حداً كارثياً أنه وصل إلى 610 كيلو غرام و
تطلب أخراجه معونة السلطات، وهنا أتسائل هل عندما تتوسع دولة البغدادي مستبيحة
لبلدان الخليج، إين يمكن ان نضع هذا الشاب السعودي، وأي كتيبة ستستقبله ؟!! وهل
سيستمر الخليجيون في مراودة جلسات السمر الخاصة بهم في بوادي الجزيرة أيام الصيد، أو
من للطائرات المغادرة إلى بلدان أوربا والمغرب بعد بيعتهم لدولة البغدادي.
البغدادي لم ينسى شيئاً فقد وضع حلاً لمشكلة
الشاب السعودي من وزن الفيل، فقد فرض على العرب من أبناء قرية تل أبيض في سوريا
تقديم مبلغ 500 ألف ليرة سورية بدلاً من أرسال أحد أبناءها للمشاركة في المعارك
الدائرة مع الأكراد، وإذا لم يتحقق هذان الشرطان فعلى العائلة مغادرة المدينة،
وترك كل شيء خلفها، ولكم أن تتصوروا الحال في بلدانكم يا أبناء الخليج تحت بيعة
دولة البغدادي.
بتلك التناقضات التي طرحت والكلمات التي سقت لبيان
الحقيقة أجتمع العرب من اقصى الشرق إلى أقصى الغرب، حيث أقتربت الساعات الأخيرة من
نهاية الحضارة العربية التي أنتهت معنوياً قبل سنين طويلة ولكن بنهاية مأساوية
بالدولة البغدادية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق