الخميس، 3 أكتوبر 2013

جهاد النكاح في الميزان (الموضوع الرابع)

إن من يعيش هذه الأيام تداعيات الوضع في سوريا ويتابع بشكل يومي تفاصيل الصراع يدرك إن الأمور خرجت عن السيطرة، ولا يستطيع طرف من الأطراف أن يؤكد إنتصاره على الأخر لا عسكرياً ولا معنوياً .
في هذه الحرب تم استخدام جميع الأسلحة العسكرية ليست فقط ما نعرفها، بل كافة الموارد المتاحة، فبشاعة هذه الحرب ومآسيها لا تستثني حتى براءة الأطفال و ضعف النساء، بل جميع الاعمال تصبح مباحة، مادامت تصب في خانة المصلحة وتحقيق الأهداف.

وفي الخمسة أشهر الأخيرة تردد على مسامعنا وأنظارنا الكثير من الكلام والأخبار حول ظاهرة جهاد النكاح وأنتشاره في سوريا، وهو كما سمعنا عنه يتلخص بتوفير الدعم المعنوي، والمادي للمجاهدين الذين يواجهون نظام الأسد هناك، أما كيف يتم ذلك ؟ فالأمر يتمحور حول إستقطاب الفتيات للسفر إلى سوريا، ومن ثم تزويجهن بعقود شفهية لساعات قليلة من أجل إستحصال أجر الجهاد بدعمهن هذا، وترويحهن عن المجاهدين.

إن تلك التسريبات الصحفية عن هذه الظاهرة، قد وضعها البعض ضمن دائرة حملة تشويه، يقوم بها النظام السوري ضد المقاتلين الإسلاميين بهدف الأساءة إليهم، وأضرار صورتهم أمام الرأي العام الدولي.

إلا إن هذه التسريبات لم تكن صادرة من وسائل إعلام النظام فقط، بل أغلبها كان من مصادر لا يستطيع بشار الأسد التأثير عليها، بل ويعتبر بعضها من وسائل الأعلام المناهضة لنظامه.

الحكومة التونسية بقيادة حركة النهضة الأسلامية كانت متهمة أيضاً من أطراف متعددة في الشارع التونسي بأنها قد فتحت أبوابها، لأستقطاب دعاة سلفيين، وتغاضت عن نشاطاتهم لغرض تحفيز التونسيين، من شباب وبنات للمشاركة في الجهاد الحاصل بسوريا، بالأضافة إلى توجيه تهم أخرى لها بغضها النظر عن سفر هؤلاء الشباب التونسيين، ومنهم فتيات قاصرات دون أي رادع.

سارعت الحكومة التونسية إلى رفض هذه الأتهامات، وأعتبرتها جزء من تشويه الحقائق، وحملة سياسية مضادة، و خلال هذه الاحداث أخذت الفضائيات التونسية تتناقل نداءات أستغاثة من عوائل تونسية متعددة تستنجد فيها الحكومة والوزارات الأمنية بضرورة إيجاد بناتهم اللواتي أختفن بغية الذهاب للمشاركة بجهاد النكاح في سوريا، وكان من أبرزها عائلة الفتاة رحمة البالغة من العمر "16عاماً" والتي أظهرت القنوات فيها، خالها المفجوع يجهش بالبكاء، ويدعوها للعودة و يخاطبها بأن الجهاد لحالتها يكون من خلال اجتهادها في تعليمها.

وفي يوم الخميس 19 سبتمبر أعترفت الحكومة التونيسة أخيراً بوجود وأنتشار ظاهرة جهاد النكاح في تونس، من خلال جلسة أستجواب في البرلمان التأسيسي، أعلن من خلالها وزير الداخلية لطفي بن جدو إن فتيات تونسيات سافرن إلى سوريا تحت مسمى " جهاد النكاج " وعدن إلى تونس وهن حوامل بأطفال مجهولي النسب، نتيجة إتصالهن جنسياً مع مقاتلين أجانب من دول متعددة، يقاتلون الجيش النظامي هناك ولم يحدد عددهن.
وأضاف بن جدو في معرض كلامه " إن فتياتنا يتم إستغلالهن وشبابنا يوضعون في الصفوف الأمامية من القتال ونحن نقف مكتوفي الأيدي".

وبعد التحقيقات التي أجرتها وزارة الداخلية، أكد الناطق الرسمي بأسمها محمد علي العروي في تصريح له إن " التونسيات وفق معلومات وزارة الداخلية هن الأقل عدداً بين النساء العربيات، والآسيويات وحتى الأوربيات اللواتي سافرن إلى سوريا، بقصد " جهاد النكاح " ،مبيناً إن " دولاً اخرى وخصوصاً عربية لم تتجرأ عن الحديث حول الظاهرة التي توقفت في تونس،بعد معالجتها أمنياً وأجتماعياً من خلال توعية الأسر على خلاف دول عربية أخرى سكتت عن هذا الموضوع ".

وأضاف الناطق الرسمي قائلاً " لدينا الجرأة الآن في تونس لنقد كل المواضيع مهما كانت حساسة ولا نخفي على الشعب شيئاً، كما إن الأعلام في تونس بعد الثورة أصبح شفافاً جداً، وإن وزارة الداخلية التونسية طرحت هذا الموضوع للأعلام في تصريحات وزير الداخلية لطفي بن جدو الأخيرة، وذلك لتوعية التونسيين، وليس لتشويه صورة التونسية".

وذكرت مصادر رسمية تونسية إن ما جرى من تحقيقات مع أغلب هؤلاء الفتيات العائدات، بالأضافة إلى أعترافات بعض المقاتلين التونسيين العائدين من سوريا، أكدت إن عملية خروج تلك الفتيات يتم عن طريق بن قردان ثم إلى بنغازي الليبية، ومن ثم نحو مدينة أدلب عبر أنطاكية التركية، ويتم توزيعهن برفقة المجاهدين بين مدينتي حمص وحلب التي تسيطر على اغلب مناطقها الدولة الإسلامية في العراق والشام، ويكون إيواءهن داخل المعاهد والمدارس وبعض المستشفيات المهجورة جراء المعارك.

كما إن الجدير بالذكر، هو نفي هذه الأعترافات للأخبار التي تشاع حول إن الفتاة التي تمارس جهاد النكاح يتداول عليها 20 مقاتلاً يومياً، والحقيقة أن كل فتاة تتزوج مرة واحدة كل يوم، لمدة ساعة بمقاتل واحد، وهكذا دواليك إلى ان تصل للعدد المحدد لها.

وقد عرضت جريدة الشروق التونسية أعترافات لمياء 19 عاماً، أحدى الفتيات التونسيات العائدات من سوريا، حيث ذكرت لمياء إنها مارست " جهاد النكاح " مع باكستانيين وأفغان وليبيين وتونسيين وعراقيين وسعوديين وصوماليين، والجنين الذي تحمله في أحشائها مجهول النسب.

وقالت لمياء إنها تعرفت إلى تونسيات من مدن القصرين والكاف وحي التحرير والمروج وبنزرت وقفصة وصفاقس، وقالت إن إحداهن توفيت نتيجة تعرضها للتعذيب بمجرد محاولتها الهروب.
وأكدت لمياء إنها وعند عودتها إلى تونس، وبمجرد الوصول إلى المعبر الحدودي في بن قردان، تم أيقافها وفقاً لأعلان تغيب كانت عائلتها في تونس تقدمت به، وبأستجوابها صرحت إنها كانت في سوريا ضمن مجموعة من النساء والفتيات سافرن بغرض جهاد النكاح، وبعد خضوعها للتحاليل الطبية تبين إنها مصابة بمرض الأيدز، وإنها حامل في الشهر الخامس، والجنين مصاب بالمرض نفسه.

لم يظهر على الأعلام بعد جلسة الأستجواب و ما تكلم به "بن جدو" أي طرف من الحكومة التونسية يدحض تصريحات وزير الداخلية أويقول بخلافها، فالمشكلة أصبحت شائعة ومنتشرة ولا يستطيع أحد أن يخفيها، وتونس كانت جادة في معالجة هذه الظاهرة الجديدة، فصارحت شعبها ولفتت إنتباه الأسر إلى هذا الموضوع، وشكلت خلية أزمة لمعالجة هذا الأمر، وأستطاعت من إلقاء القبض على أكثر من 80 شخصاً كانوا يسهلون عملية خروج الشباب والفتيات التونسيات للجهاد في سوريا.

أما التساؤل الذي يثار بخصوص جهاد النكاح في سوريا وظاهرة إنكار وجوده، يتمحور حول كون هذه الظاهرة أو الفتوى قد خصصت لربما للمجاهدين المقاتلين فقط، ولم يراد لها أن ترى النور لغيرهم من الشباب الغير منخرطين في القتال، حتى لا يستغلوها في غير موضعها التي وضعت من أجله في الترويح عن المجاهدين بعد قدومهم من الغزوات، فقد جعلت حكراً على المجاهدين دون غيرهم، وسبباً في جذب الشباب للانخراط في المعارك.

ويثار تساؤل أخر حول الموضوع، وهو هل أن المرأة ذلك الكيان الضعيف، والتي أوصى بها ديننا الحنيف، تستحق منا ما نفعله بها، من أجل تشجيع المقاتلين على الجهاد، وإبقاء الحماس لديهم لمتابعة خوض المعارك؟ وكيف لنا ان نتخيل بأي حال تقضي تلك الفتيات أوقاتهن مع أهلهن بعد أن عدن حوامل؟.

دعوات أوجهها لعلها تجد من ينصف بعين الحقيقة ذلك الوضع المؤلم، فهل إن المجاهدين الذين يقبعون لسنوات طويلة في سجون الطغاة قد وجدوا حلاً لمشاكلهم والترويح عن أنفسهم كما يحصل الآن؟ بالرغم من كل ما يعانوه من أضطهاد وضغوط وحنين وأشتياق لعوائلهم، وهم بين أربع جدران، هل ما زالوا متماسكين صابرين ومحتسبين ؟ بينما يتنعم الآخرون بالحرية المفرطة، فمهما كانت ظروف المعارك وبعدها عن الأحبة، لا يكون ثمنها نهاية حياة تلك النساء، وبداية مستقبل مجهول ينتظرهن واولادهن من دون أباء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق