الخميس، 22 أغسطس 2013

أسرار لا تعرفها عن البغدادي (الموضوع الأول)




لقد تزاحمت الطرق المؤدية لأسقاط النظام السوري بالكتائب والتنظيمات المسلحة، والتي سعت طوال ثلاث سنوات تقريباً، جاهدةً لتحقيق هذا الهدف، وأزاحته من خارطة سوريا السياسية .

لكن الغريب بين كل هذا تسلق بعض الدخلاء، وأستغلالهم تلك الأحداث الجسام، التي خلفت ألاف الضحايا، ليست أمريكا وأسرائيل كما تصدح به أبواق النظام ومؤيديه، بل المستفيد اليوم مولودة صغيرة، لاتزال الشهور تعد عمرها، فولادتها العسيرة أهون من فترة حملها اللامعتاد، والذي أمتد من ثمانينات القرن الماضي.

قد يطول التعبير، فالمخاض العسير ذلك الذي خرج من رحم الحركات الجهادية والتنظيمات التابعة للقاعدة كشف عن ولادة الدولة إلاسلامية في العراق والشام التي تشائم وأشمئز منها المنظرون والمقربون .

البغدادي طرق الحديد وهو ساخن غير مبالٍ بالشغل الشاغل لأقرانه من أمراء القاعدة في المنطقة، والذي تمحور حول أسقاط النظام السوري، فأعلن إنشاء دولته ألاسلامية وفرضها عليهم دون أستشارة، ونصب نفسه أميراً للمؤمنين داعياً القاصي والداني لبيعته، ومباركة دولته. إن البغدادي وإن لم يقلها صراحةً وضع نفسه أميراً جديداً لتنظيم القاعدة العالمي، غير ملتفت لكل العناوين والأعتبارات الأخرى، فهذا ما تأكد لي، حينما خاطبه الظواهري ببيانه داعياً إياه لألغاء هذا الأعلان المفاجيء الذي لم يستشار فيه .

لم تكن الأستشارة كل شيء، فالبغدادي قالها صراحةً، وأعلن أعلميته وأفضليته على الشيخ الظواهري، ببيان قاسي المحتوى سمعه الكل، جاء بعنوان واضح (باقية ... باقية ... باقية )، أنعش بمحتواه ذاكرة الشيخ بأنه ماضٍ على خطى من سبقوه من قادة التنظيم في العراق الذين إعتمدوا أسلوب تجاهل قادة تنظيم القاعدة العالمي، فأوضح في بيانه قائلاً " وقد تركنا ممن سبقنا من مشايخنا على طريق كان لهم القول الفصل في مدلهمات الأمور، تترائى لهم المصالح في خضم ما يراه الآخرون إنها مفاسد، فلا يلتفتون " .

وأضاف في بيانه " إن هذه الدولة مهد لها الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، ولن تنكمش بعد نموها "، وقال أيضاً : " أما الرسالة التي نسبت الى الشيخ الظواهري فإن لنا عليها مؤخذات شرعية ومنهجية عديدة، وقد خير العبد الفقير بين أمر ربه المستفيض، وبين الأمر المخالف لأمر الله تعالى " .

أن هذه الكلمات من أشدها وقعاً في بيانه على شيخ بمقام والده، ومن أكثرها إستهجاماً، ثم لم يسكت بعد هذا، وأضاف إنه قام بأستشارة من معه في مجلس شورى الدولة الاسلامية، مرجحاً إستشارتهم على إستشارة زعيم تنظيم القاعدة .

يفهم من إصرار البغدادي على أحتفاظه بأعلان الدولة في العراق والشام، إن الظواهري قد اصبح خارج اللعبة، فالأمير الجديد أحاله على التقاعد ببيانه الأخير، متجاهلاً بذلك أربعين سنة تقريباً من تاريخ الظواهري، والتي جعلته بمثابة الأب الروحي لأبناء هذه التنظيمات.

تتعالى الشكوك حول التطور الكبير في شخصية البغدادي، والتي جعلت نجمه يعلو، وتتلاشى معه حظوظ الشيخ الظواهري، فالأتفاق الذي عقده أبو بكر البغدادي أمير دولة العراق والشام الإسلامية مع حكيم الله محسود أمير حركة طالبان باكستان، والذي أعلنا من خلاله إن أرض الشام أصبحت ساحة للجهاد العالمي ضد طواغيت الكفر، حيث أستجابت لهذا الإعلان القبائل الباكستانية الموالية لطالبان، وأرسلت بالفعل أولى الدفعات من مقاتليها عبر تركيا.

ذلك الأتفاق وما نتج عنه يعيد للذاكرة ما كان يردده سابقاً قادة تنظيم القاعدة من شعارات وأهداف، وضعوها كلبنة أساسية لتكوين هذا التنظيم في أفغانستان، ومن هنا يتبادر للأذهان تساؤل محير، وهو أين الظواهري من كل هذا يا ترى ؟!! وكيف تنقل ساحة الجهاد العالمي إلى أرض الشام، ومن المسؤول هنا ؟!!

البغدادي وقع في خطأ كبير من خلال تجاوزه، وعدم الأخذ بنصح وأرشادات رجل خبير ومتمرس، قضى معظم أيام حياته في سوح العمل السياسي والعسكري كالظواهري، الذي إنحدر من عائلة معروفة في مصر تقلد معظم أفرادها مناصب مهمة، فجده من أبيه محمد الأحمدي الظواهري احد شيوخ الأزهر، وشيخ الظواهرية، وجده من والدته عبد الوهاب عزام من أحد رجال الادب المعروفين في مصر، وعم أمه عبد الرحمن عزام هو أول أمين عام للجامعة العربية.

تقلد الظواهري في مسيرته العديد من المناصب الحساسة، فبعد إنتمائه الى جماعة الجهاد الإسلامي المصري عام 1973 أصبح زعيماً لها، بينما كان البغدادي يناهز بعمره السنة الواحدة، وتعرض الظواهري للأعتقال أكثر من مرة، وخاصة عندما إتهموه بقضية أغتيال الرئيس السادات، وبعد خروجه من السجن توجه إلى بيشاور في باكستان ثم إلى أفغانستان لاحقاً، حيث أسس فصيلاً لحركة الجهاد الأسلامي المصرية، وعمل بمهنته طبيباً جراحاً هناك خلال فترة الأحتلال السوفيتي.

الظواهري هو الشخص الوحيد الذي يعود إليه الفضل بوضع الخطط الستراتيجية المستقبلية للقاعدة، والتي يستغلها البغدادي اليوم ناكراً ذلك الجميل.

لولا الظواهري لما كان البغدادي، فهو أول من دعا إلى أستخدام أفعانستان والعراق و الصومال كمناطق لتدريب المتشددين الإسلاميين، والتي كانت سبباً في ظهور أسم البغدادي وأمثاله في العراق، وباقي البلدان الإسلامية .

لذا توجب على البعض أن لا ينسوا إن الشيخ الظواهري لا يزال زعيماً لتنظيم القاعدة العالمي، والمطلوب الإول لدى الدول المحاربة للأرهاب، وهو من كان سابقاً المساعد الأيمن لأسامة بن لادن، والمنظر الرئيسي لتنظيم القاعدة .

إلى أين يريد البغدادي الوصول مع من تبعه، متجاهلاً اهل العقد والحل من شيوخه وأمرائه، وكيف أمكنه طوال تلك السنين الإستمرار في عملياته، لولا الدعم المالي والعسكري الذي قدمه له الظواهري ومن معه من أمراء التنظيم .

محمود هو ذلك الطموح الإنساني لدى البعض لكن دون ان يتعدى الخطوط الحمراء، والتي تضع كل فردٍ في مكانه المناسب الذي ترسمه له حدود شخصيته. إن البغدادي جمح كثيراً بتصرفاته تلك، فالأمر قد تجاوز حده، ولا يمكن لأي منصف لسيرة ومسيرة الشيخ الظواهري، أن يضع تلك التصرفات في خانة الطموح والأجتهاد.

أن يصل الحال بالبغدادي إرساله والياً من قبله على مصر، يدعى العاص بن أبي بكر لإدارة و قيادة العمليات هناك، ولم ينتظر من الشيخ أو حتى يسمح له أن يجيب على تساؤلات بعض المقاتلين من مصر، والذين إستفسروه بهذا الأمر، ففي ذلك تجاوز صريح عليه كون الساحة المصرية هي المعترك الذي نشأ و تربى فيه الشيخ الظواهري، فمكة أدرى بشعابها.

أنى للبغدادي معرفة طبيعة وسلوك المجتمعات التي يسعى لفرض هيمنته عليها، وخاصة في مصر والشام، فهو لم يتجاوز حدود العراق إلا قبل أشهر، في حين كانت مصر والسودان والسعودية وباكستان وأفغانستان هي المساحة التي يتحرك خلالها الشيخ الظواهري قبله بعقود.

قبل أكثر من ثلاثين سنة وتحديداً عام 1981 وفي قاعة المحكمة قال الظواهري كلاماً عند إستجوابه بتهمة قتل السادات قال بالأنجليزية ما هذا نصه " نحن مسلمون نؤمن بديننا ونسعى لإقامة الدولة الأسلامية والمجتمع الإسلامي "، فهذا الحديث يوضح للبغدادي ومن أراد بيعته إميراً للدولة الإسلامية الرؤية المستقبلية للشيخ عن هذه الدولة، وهو أفضل من يعلم بالوقت المناسب لإقامتها تحت راية التنظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق